منتدى فادى نور:باحث وخادم بمركز الانبا موسى


    الصوم بفرح للقديس باسيليوس الكبير

    شاطر
    avatar
    fady
    Admin

    المساهمات : 33
    تاريخ التسجيل : 14/02/2011

    الصوم بفرح للقديس باسيليوس الكبير

    مُساهمة  fady في الإثنين فبراير 21, 2011 9:16 pm

    Like a Star @ heaven Like a Star @ heaven للقديس باسيليوس الكبير
    الصوم الحقيقي :
    يوصينا النبي قائلاً: "انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا" (مز 3:81). إن الكلمات ُتعلن لنا بحسب (إش 4:58-6)- والتي هي أعظم من الأبواق وأجدر من كل الآلات الموسيقية- عن مجيء عيد الأعياد. فلقد عرفنا من إشعياء نعمة الصوم، فهو الذي استنكر طريقة اليهود في ممارسة الصوم وأظهر لنا الصوم الحقيقي عندما قال: "ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون"، "أليس هذا صوماً أختاره؟ حل قيود الشر" (إش 58: 4-6). والرب يقول "ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين. فأنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صُمت فأدهن رأسك وأغسل وجهك" (مت 6: 16- 17).
    دعونا نتصرف كما تعلّمنا- فلا نظهر عابسي الوجه في أيام الصوم القادمة، لكن علينا أن نظهر بوجه بشوش كما يليق بالقديسين. فعديم الشفقة لا يُتوج، ولا عابس الوجه يحتفل بنصر. فلا يليق أن أفرح وأسعى نحو صحة النفس، بينما ينتابني حزن بسبب تغيير الأطعمة في فترة الصوم، لماذا أفرح وأهتم براحة الجسد، في الوقت الذي لا ِأبالى براحة النفس؟! فالحقيقة أن الرفاهية تعوق استمتاع البطن بالمأكولات، أما الصوم فيجلب فائدة إلى النفس. لهذا ينبغي عليك أن تفرح إذ أعطى لك دواءّ فعالاً من الطبيب، دواءّ

    يُمحى الخطية. لأنه كما تموت الديدان التي تحيا في أمعاء الأطفال بدواء فعّال، هكذا الصوم عندما يدخل إلى عمق النفس فإنه يميت الخطية التي تسكن فيها.
    2 - إن كلمات الرب: "ادهن رأسك وأغسل وجهك"(مت 17:6) تدعوك إلى ممارسة الأسرار. فالذي يُدهن يمُسح والذي يغتسل يتطهرّ. ونحن نتكلم عن الإنسان الداخلي، فهيا طّهِّر نفسك من الخطايا ولتمسح رأسك بالمسحة المقدسة لتصير شريكاً للمسيح. وهكذا تأتى إلى الصوم. فلا تكتئب وتكسى وجهك بالسواد مثل المرائيين. فالوجه يكسوه السواد عندما يتلون الإنسان الداخلي بالرياء، فيتغطّى الشكل الخارجي بقناع كاذب مُزيّف. فالممثل هو الذي يلبس قناعاً على وجهه وهو على المسرح. كما أن العبد مرات كثيرة يلبس قناعاً ليتشبه بالسيد، وبعض المرات يلبس قناعاً ليتشبه بالملك. هكذا فى هذه الحياة نجد الأغلبية من البشر- كأنها على مسرح- تلعب أدواراً تمثيلية، فهم يحملون في القلب أموراً دفينة بينما يظهرون إلى الناس أموراً أخرى مغايرة. إذا لا تضع قناعاً على وجهك بل عش على حقيقتك.
    لا تتملق وتظهر بوجه عابس، لتقتنص مجداً ليس لك. فبالإحسان الذي تفعله علناً وبالصوم الذي لا تتوانى في إعلانه جهاراً لن تستفيد شيئاً، لأن أمور النفاق والتملّق التي تمارسها بطريقة ظاهرة لا تثمر ثماراً للحياة الأبدية، فأنت ُتفسد الثمار بقبولك لمديح الناس. أسرع إذاً بفرح إلى نعمة الصوم. فالصوم هو عطية وُهبت لنا منذ القدم وهو لا يهرم ولا يشيخ. بل يتجدد دائماً وينمو ويزهر لكي يأتي

    بثمارٍ ناضجة.
    أقدمية الصوم:
    3- هل تظن أن الصوم هو أقدم من الناموس؟ نعم إن الصوم هو أقدم من الناموس. انتظر قليلاً وتمهل وسوف تتحقق من صدق كلامي. لا تظن أن بداية التشريع بممارسة الصوم بالنسبة لإسرائيل كان في اليوم العاشر من الشهر السابع (لا 16 :29، 27:23). بل تعال نغوص داخل التاريخ لنجد بداية للصوم. فالصوم ليس هو ابتداع حديث. فالصوم جوهرة غالية ورثناها من الأجداد؛ وكل شيء قديم جدير بالوقار. ليتك تقدّر معي أقدمية الصوم. فالصوم قديم قِدَم البشرية. لقد ُشرِّع الصوم فى الفردوس. فوصيّة آدم الأولى كانت: "من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها" (تك 2: 16-17).
    فعبارة "لا تأكل" هى تشريع للصوم والانضباط. فلو مارست حواء الصوم وتجنبّت الأكل من ثمر هذه الشجرة، ما ُكنّا في حاجة إلى هذا الصوم لأنه "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مت 12:9). فخطيتنا هى التى جلبت علينا المرض. فدعونا إذاً لنُشفى بالتوبة، غير أن التوبة بدون ممارسة الصوم هى باطلة" ملعونة الأرض بسببك. وشوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل" (تك 17:3-18).
    إن الوصية قد ُأعطيت لك لكى تعيش وتحيا حياة الاختبار، لا لكى تحيا حياة سهلة، حياة الرفاهية بدون اختبار. هيا تحدّث مع الله وتعرّف على أهمية الصوم. الحياة في الفردوس كانت مثالاً للإنسان

    الصائم. ليس فقط لأن الإنسان كان يشارك الملائكة على المائدة وتشبّه بهم عندما عاش في قناعة، لكن أيضاً لأن كل ما ابتدعه الإنسان بفكره فيما بعد لم يكن موجوداً في الفردوس. فلم يكن شرب الخمر موجوداً بتاتاً، ولم تكن هناك ذبائح حيوانية ولا كل ما يكدّر الذهن البشرى.
    خطورة عدم الصوم:
    4- ولأننا لم نَصُم فقد تعرّضنا للسقوط من الفردوس. إذاً علينا أن نصوم لكى نأتي إليه مرة ثانية. ألم ترى كيف أن لعازر دخل إلى الفردوس بواسطة الصوم؟ (انظر لو 16: 20- 31). وليتك لا تجعل قصة مخالفة حواء لوصية الصوم مثالاً تحتذيه وتقبل مرة أخرى نصيحة الحيّة، تلك الحية التي فضلّت الأكل والاهتمام بالجسد. لا تتعلّل بالمرض والضعف الجسدي وترفض ممارسة الصوم. ولا تصنع أمامي مبررات لعدم صومك بل اعترف بها للذي يعرف كل الخبايا. فأخبرني إن كنت لا تستطيع أن تصوم، ودعني أسألك: ألا تسعى لإشباع جسدك طوال حياتك وتسحقه تحت وطأة الانسياق وراء شهوة الأكل والشرب. إنني أعرف جيداً أن الأطباء يفرضون على المرضى الانقطاع عن الأكل أو تناول أطعمة خفيفة ويمنعون عنهم الأطعمة الدسمة. لذا أقول لك كيف أنك تقدر على فعل كل ما يوصيك به الأطباء بينما تتعلّل الآن بأنك لا تقوى على ممارسة الصوم؟! هيا نتحاجج معاً ما هو الأكثر سهولة على الإنسان، أن ينام طوال الليل بعد أن يتناول أطعمة خفيفة أم بعد أن تمتلئ معدته بأطعمة ثقيلة؟ ماذا تقول؟ هل من السهل أن ينقذ القائد

    سفينة تجارية محملّة بأثقال كثيرة أم سفينة مُحملّة بأحمال خفيفة؟! إن السفينة المحملّة بأثقال كثيرة عندما تتعرض لنوة بحرية صغيرة فإنها تغرق بسهولة، أما تلك التى بها أحمال معقولة ومتوازنة فإنها تعبر النوة البحرية طالما لا يعوقها شيء عن الارتفاع واجتياز هذه النوة. هكذا أجساد البشر عندما تتثقل بالتخمة المستمرة فإنها ُتصاب بسهولة بأمراض كثيرة. لكن عندما تصير هذه الأجساد منضبطة بتناولها أطعمة خفيفة فإنها تتجنب الإصابة بالأمراض حتى تلك التي يسببها المناخ السئ، ولا يعتريها الملل حتى لو كان مثل الدوامة فى هجومه. والإنسان الذي له قوة إرادة إيجابية من السهل أن يشعر بالكفاية الذاتية والقناعة أمام ملذات العالم، بينما عندما يترك الإنسان الضعيف نفسه يتناول أطعمة كثيرة ومتنوعة وفاخرة وشهية فإنه لا يبلغ حد الكفاية فيسبب لنفسه أنواع كثيرة من الأمراض.
    الصوم تقليد آبائي:
    5- ليت حديثنا يمضى نحو فحص أقدمية الصوم، وكيف أن كل القديسين حافظوا على هذا التقليد الآبائى الذي استلموه وسلّموه إلينا. ولتعلم أن الخمر لم يكن موجوداً في الفردوس، فلقد ظهر الخمر بعد الطوفان ولا كان هناك ذبح للحيوانات ولا أكل للحوم. ويقَول الكتاب- بعد الطوفان- "كل دابة حيّة تكون لكم طعاماً. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع" (تك 3:9).
    نوح لم يكن يعرف إدمان الخمر ثم أدمنه:
    في ذلك الوقت عندما تراجع الكمال ظهر التمتّع. والمثال على عدم معرفة الخمر هو نوح الذي لم يكن يعرف استخدام الخمر، إذ لم

    يكن الخمر دخل في حياة البشر، ولم يكن قد شاع استخدامه بين البشر. هكذا نوح لم يكن قد رأى أحد يشرب الخمر، ولا هو نفسه قد ذاق الخمر ثم وقع في إدمانه، إذ يقول الكتاب "وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه" (تك 9: 20- 21). وحدث ذلك الأمر لا لأن نوح كان مدمناً خمراً لكن لأنه لم يكن يعرف الكمية المعتدلة في الشرب. بالتالي جاء اكتشاف شرب الخمر وإدمانه بعد الطرد من الفردوس أي أن الإنسان كان قد مارس الصوم في الفردوس.
    موسى النبي يقترب إلى الله بالصوم بينما الشعب يحتقر الصوم:
    لقد اقترب موسى من الجبل بعد أن صام (خر 8:24)، إذ لم تكن له الجرأة لأن يقترب من قمة الجبل الذي كان يدخن، ولم تكن له الشجاعة أن يأتي إلى الضباب إن لم يكن قد تسلّح بسلاح الصوم. لقد قَبِل موسى الناموس بعد أن صام، ذلك الناموس الذي ُكتب على لوحي الشريعة بإصبع الله. وبينما صار الصوم أعلى الجبل سبباً لإعطاء الشريعة، تسببت شراهة شعب أسفل الجبل في الوقوع في عبادة الأصنام، إذ "جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب" (خر 6:32). لقد أفسد إدمان الخمر ما كان ينتظره موسى من صومه وصلاته لأن النبي رأى أن شعب الله المخمور لم يكن يستحق هذه الشرائع خلال الأربعون يوماًً. وهكذا نرى وكأن الخمر قد كسر لوحي الشريعة اللذان ُكتبا بأصبع الله. هذا الشعب الذي عرف الله من خلال معجزات عظيمة حدثت له- في لحظة- بسبب الشراهة في عبادة الأصنام. قارن إذاً بين الحالتين كيف أن الصوم يقود إلى

    الله وكيف أن الشراهة تقود إلى الهلاك.
    فاعلية الصوم:
    6- ما الذي نجسَّ عيسو وجعله عبداً لأخيه؟ ألم يكن طعام بسيط هو الذي تسبّب في أن يبيع البكورية؟ (انظر تك 25: 30-34). وصموئيل النبي ألم يُمسح بفضل صلاة وصوم أمه؟ (انظر 1صم 1 : 13-16). ما الذي جعل شمشون محارباً وبطلاً شجاعاً؟ ألم تنجبه أمه بفضل الصوم؟ (انظر قض 4:13) الصوم هو الذي أنجبه فهو قد أتى بإرادة الصوم، والصوم صنع منه رجلا. الصوم هو الموضوع الذي تحدث عنه الملاك لأمه قائلاً: "من كل ما يخرج من حفنة الخمر لا تأكل وخمراً ومسكراً لا تشرب وكل نجس لا تأكل. لتحذر من كل أوصيتها" (قض 13: 14).
    أنشودة الصوم:
    الصوم حارس للنفس، ورفيق أمين للجسد،
    الصوم سلاح الشجعان، ومدرب النُساك،
    الصوم يصِّد التجارب، ويُمهد الطريق للتقوى،
    إنه رفيق الهدوء وصانع العفة
    الصوم يعمل أعمالاً باهرة في الحروب،
    ويُعلَّم السكينة في وقت السلام
    الصوم يُقدِّس النذير ويجعل الكاهن كاملاً.
    الصوم يجعل العاقر تلد أولاداً،

    ويصنع الأقوياء، ويجعل المشرّعين حكماء
    لأنه كيف للكاهن أن يصلى بدون صوم؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمراً ضرورياً ليس فقط في عبادة العهد الجديد السرائرية ولكن أيضاً بالنسبة للعبادة الناموسية.
    الصوم وإيليا النبي:
    الصوم هو الذي جعل إيليا النبي يشاهد رؤى إلهية. إذ صام مدة أربعين يوماً وتنقت نفسه واستحق أن يرى الرب على جبل حوريب (1مل 19 :8-23)، الأمر الذي هو صعب الحدوث لأي إنسان. بالصوم أعاد إيليا الحياة إلى ابن الأرملة، فأقامه وسلّمه إليها، إذ بواسطة الصوم برهن أنه أقوى من الموت.
    لقد خرج أمراً من فم إيليا الصائم بأن يتوقف المطر- بسبب معصية الشعب- ثلاث سنوات ونصف واستجابت السماء لأمره. لقد فضّل أن يحكم على نفسه مع الآخرين بهذا الحكم الشديد حتى يلين قلب الشعب القاسي. لذلك قال "حي هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه أنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلاّ عند قولي" (1مل 17: 1). لقد دعا كل الشعب إلى صوم لكى يواجهوا الشر الذي أتى من حياة التراخي والتلذذ بالأكل والشرب.
    ما السبب في أن حياة إليشع النبي مثال للسيرة الحسنة. تأمل كيف أن المرأة الشونمية استضافته، وكيف أنه هو نفسه كان يستضيف بني الأنبياء؟ انظر معي هل قدّم لبنى الأنبياء قليل من الخبز مع نباتات برية سامة؟ بالطبع لا، لأن واحداً من هؤلاء خرج إلى الحقل وجمع يقطيناً برياً ساماً ووضعه مع السليقة في القدر

    ولكن بفضل صلوات هذا النبي الصائم- إذ كان الموت متربصاً بمن يأكل ما هو موجود فى القدر- اختفى السُم من الطعام. (2 مل 39:4-41).
    الصوم والفتية الثلاثة:
    من السهل أن ترى- وبشكل عام- الصوم وهو يقود كل القديسين إلى مدينة الله. مثلاً، يوجد مادة يسمونها الأمينت لا يعتريها أى فساد عندما توضع في النار، مع أنه عندما توضع في النار تبدو للناظرين أنها تتفحم لكن عندما يخرجونها من النار تصير نقية كما لو أنها أُلقت في الماء فصارت نقية. كانت أجساد الثلاث فتية في أتون النار مثل هذه المادة وذلك من جراء الصوم (انظر دا1 :8-16). إذ أنهم برهنوا وهم في أتون النار أنهم أقوى من النار كما لو كانت طبيعتهم من الذهب. والحق يقال إنهم أظهروا أنفسهم أنهم أقوى حتى من الذهب. إذ لا أحد وقتذاك كان قادراً على منع تلك النار التي صبوا عليها زيت ونفط ومواد سريعة الاشتعال حتى أنها امتدت لارتفاع تسعة وأربعون زراعاً وأكلت كل ما هو موجود حولها. هذه النار المتقدة تمشوا فيها الثلاث فتية بعد أن صاموا، لقد تنسموا نسيماً لطيفاً وهواءً بارداً عليلاً في وسط هذه النيران الشديدة لأن الكتاب يقول "لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم" (دا 27:3).

    الصوم ودانيال النبي:
    7- ودانيال الرجل الذي لم يأكل خبزاً لمدة ثلاثة أسابيع ولم يشرب ماء (انظر دا10 :2-3) علّم الأسود أن تصوم عندما نزل جُب الأسود (انظر دا 6: 16 -22). والأسود لم تستطع أن تلتهمه بأسنانها وكأن جسده مصنوع من الحجر الصلد أو النحاس أو من أي معدن آخر صلب. هكذا يُقوِّى الصوم الجسد ليصير مثل الحديد مما جعل الأسود لا تقوى عليه. لأنهم لم يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم أمام القديس. فالصوم "أطفأ قوة النار وسد أفواه الأسود"
    الصوم والحياة العملية:
    الصوم يُصعد الصلاة إلى السماء كما لو كانت ريشة تطير نحو الأعالي. الصوم هو سبب رُقيّ وتقدم الشعوب، الصوم أصل الصحة، الصوم مربى للشباب وزينة الشيوخ، والرفيق الصالح للمسافرين. الصوم هو خيمة آمنة للذين يطلبون مأوى. فالرجل المتزوج لا يرتاب من زوجته عندما يراها تصوم دائماً. بالمثل فالمرأة تثق في رجلها ولا تدع الغيرة تتملكها عندما تراه يصوم دائماً. هل تسبب الصوم في ضرر لأحد؟ طبعاً لا، فلن يغيب شيئاً من الأشياء الموجودة في البيت، لأن رب البيت الصائم لن يستدين أبداً. لن تسمع في هذا البيت حشرجة موت من أي حيوان ُيذبح، لن تجد دم في هذا البيت، لن تجد شهوة بطن تصدر قرار دموي ضد أى حيوان في البيت. سوف يتوقف سكين الجزار عن عمله. فالمائدة

    تكتفي بأطعمة خفيفة بسيطة. وكما أُعطى السبت لليهودي، إذ يقول الكتاب "لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك" (خر 20: 10). لندع الصوم يكون فرصة راحة للخدم الذي يعملون طوال العام. أعط راحة لطباخك واسمح لخادمك بإجازة، لا تقبل دعوة من أحد لمائدة احتفالية. ليت صانع الحلوى يتوقف عن صنعها. ليت البيت يهدأ وتختفي الضوضاء والجلبة الكثيرة، ليت الدخان ورائحة الشواء يختفيا من البيت، ليت الخدم يستريحون، هؤلاء النازلون والصاعدون على السلالم ليخدموا البطون الشرهة. وكما أن محصلي الضرائب يعطون المديونين مهلة لترتيب أوضاعهم، هكذا فلتُعطى الفم مهلة لتستريح البطن، مهلة لخمسة أيام، تلك (أى البطن) التى لا تتوقف مطالبها.
    8- الصائم لا يعرف الاقتراض والسلف والدين. الصائم لا يعرف الفوائد التي يحصل عليها المرابين. الديون مثل الحيّات لكنها لا تستطيع أن تقترب من أولاد الصائم. أضف إلى ذلك أن الصوم يصير دافعاً للابتهاج والسرور. لأنه مثل العطش الذي يجعل كأس الماء حلواً وكذلك الجوع الذي يجعل المائدة شهية، هكذا الصوم يُبهج متعة الطعام. إذ بالانقطاع عن الأكل يصير تناول الطعام أمراً جميلاً كلقاء الأحباء بعد طول سفر. وإذا أردت أن تتحقق من هذا الأمر، عليك أن تخضع للصوم، لكن للأسف وأنت محاط بشدة بالتخمة قد نسيت نفسك بإنكبابك على الأطعمة. لقد أبطلت لذة الأكل بمحبتك وانسياقك الدائم للأكل والشرب. إذا أردت أن تستمتع

    بالطعام عليك أن تمارس الصوم. عليك أن ترى الشيء ونقيضه حتى تشعر بنعمة الشيء الذي تحصل عليه. هكذا الخالق قصد أن توجد أمور متنوعة في الحياة لكى نشعر ونُقدر الأشياء التي ُأعطيت لنا. ألم ترى كيف تبدو الشمس أكثر لمعاناً بعد الليل المظلم؟ ألا تشعر بأن اليقظة حلوة بعد النوم الطويل، وأن قيمة الصحة عظيمة بعد اجتياز أزمات صحية؟ وهكذا تصير المائدة أكثر بهجة بعد الصوم.
    الغنى ولعازر الصائم:
    9- عليك أن تتعظ من مَثَل الغنى، فالرفاهية المستمرة فى الحياة سلّمت ذاك إلى النار. لأن الغنى لم يُدان لأنه كان ظالماً، بل لأنه كان يحيا حياة الرفاهية لهذا فقد احترق في نار الأتون. ولكي نُطفئ تلك النار نحتاج إلى ماء (أى إلى الصوم). ليس للصوم فائدة فقط في المستقبل الأخروي لكن فائدته أيضاً بالأكثر هى لحياتنا الحاضرة. لأن للرفاهية والغنى الفاحش عواقب وخيمة حيث لا يقوى الإنسان على احتمال ثقل بدانة جسده. احذر من نفورك الآن من الماء وانسياقك وراء الخمر لأنك سوف تشتهى قطرة ماء مثل الغنى (انظر لو 16 :24). فلا سمعنا أن أحد قد سكر من الماء. ولا أحد تألم رأسه بسبب أنه شرب ماءً كثيراً. ولا أحد احتاج لصحبة أناس غرباء لكى يشرب ماء. ولا أحد تقيدت رجلاه بسبب الماء. ولا أحد صارت يداه غير مقيدة وهو يرتوي بالماء. احذر أيضاً لأن سوء الهضم الذي يحدث بعد تناول أطعمة دسمة يسبب أمراض.

    مخيفة للجسد، ألا تلاحظ أن لون بشرة الصائم هو جميل وهادئ، فوجه الصائم لا يعتريه أى احمرار من الخجل . إنه مزيّن بالحشمة والأدب، عيناه وديعتان، تصرفاته حكيمة، وجهه مشرق، ابتسامته رزينة، كلامه موزون، قلبه طاهر ونقى.
    الإقتداء بالقديسين في صومهم، المسيح هو أساس الصوم:
    لذا عليك أن تتذكّر القديسين في كل العصور، هؤلاء الذين "لم يكن العالم مستحقاً لهم" (عب 11 :37-38). عليك أن تقتدي بهم في تربيتهم وسلوكهم، إن كنت تريد أن يكون لك نصيباً معهم. وأنا أسألك ما الذي أراح لعازر في أحضان إبراهيم؟ (انظر لو 23:16). أليس هو الصوم؟ كما أن حياة يوحنا المعمدان كانت صوماً مستمراً (انظر مت 4:3). فلم يكن ليوحنا المعمدان سريراً ولا مائدة طعام ولا حقولاً ولا أبقاراً ومحراثاً ولا فرن لعمل الخبز ولا شيء من الأشياء اللازمة للمعيشة، لذلك قيل عنه "لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان" (مت 11: 11). الصوم الذي افتخر به بولس هو الذي أصعده إلى السماء الثالثة (انظر 2 كو 11 :27، 12 :2).
    لكن أساس كل شيء هو ربنا يسوع المسيح الذي صام - إذ اتخذ جسداً- لأجلنا وانتصر على الشيطان لكى يعلّمنا أنه بالصوم نجهز أنفسنا لمواجهة محاربات الشيطان، كأنك تضع لجاماً لخصمك. لأنك عندما تسمو بالصوم لا يستطيع العدو أن يقترب منك. وإن كان المسيح بعد قيامته قد أكل "فأخذ وأكل قدامهم" (انظر لو 43:24)، فإنه فعل ذلك لكى يؤكد على حقيقة قيامته بالجسد. وأنا أسألك: أى

    شيء فعلته بخصوص الوصايا الخلاصية والمحييّة وأنت تحرم ذهنك من الأطعمة الروحية؟ ربما تجهل أن النظم الحربية تعترف بأن الانحياز إلى طرف في الحرب يجعل هزيمة الطرف الآخر مضمونة؟ أقول لك هذا، لأن هذا هو ما يحدث عندما تتعاون مع شهوات الجسد وتنحاز لها فتصير بذلك محارباً ضد الروح، والعكس يحدث عندما تنحاز للروح فتستطيع بسهولة هزيمة شهوات الجسد. لأنك تعرف أن الاثنين أى الروح والجسد "يقاوم أحدهما الآخر" (غلا 5 :17) لدرجة أنك إذا أردت أن ُتقَّوى الذهن عليك أن ُتقمع جسدك بالصوم. وهذا هو ما يقوله الرسول بولس أى بقدر ما يفنى الإنسان الخارجي، بقدر ما يتجدد الإنسان الداخلي أيضاً (2 كو 16:4). هل لا تشتهى مائدة الملك؟ إذاً دعني أسألك مَن مِن هؤلاء الذين يحيّون في رفاهية مستمرة قبل شركة الموهبة الروحية؟ مَن هم الذين سقطوا في الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب 17:3) أليسوا هم هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد11 :33). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنَّ ولا بالماء الذي خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ في الأواني (انظر خر16 :3) تقهقروا إلى الخلف، ولم يرى أحد منهم أرض الموعد. هل لا تخاف من تكرار هذا النموذج؟ هل لا ترتعب من حقيقة أن الانسياق وراء الأكل ربما يحرمك من الخيرات المنتظرة؟ أستطيع أن أقول لك إنه ولا الحكيم دانيال النبي كان سيرى رؤى إن لم يكن قد تطهّر أولاً بالصوم. لا أخفى عليك أن الأكل الدسم ينبعث منه

    أدخنة تعتّم أنوار العقل التى تأتى من الروح القدس. يوجد غذاء ملائكي كما يقول النبي "أكل الإنسان خبز الملائكة" (مز 78: 25). غذاء الملائكة مختلف عن بقية الأطعمة، فهو ليس لحم ولا خمر ولا طعام يهتم به عبيد البطن. تذكرّ أن الصوم هو سلاح لمحاربة الشياطين، لأن "هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم" (مر 28:9). لكن شهوة محبة الأكل هى بداية الإهانات ، إذ أن الرفاهية والإدمان ومحبة اللذات تثير فينا كل أنواع الفحشاء. وكما يقول النبي إرميا: يصير البشر "حُصُناً معلوفة سائبة" (إر5 :Cool وذلك بسبب الأهواء التي تنتج من ترف النفس. إن الانحرافات في السلوك البشرى تأتى من هؤلاء المدمنين والسكارى الذين يمارسون أموراً شائنة ويستخدمون المرأة والرجل على عكس طبيعتهما. لكن الصوم يعلمّك الاعتدال في الزواج "لا يسلب أحدكم الآخر إلاّ أن يكون على موافقة إلى حين لكى تتفرغوا للصلاة والصوم" (1كو 5:7).
    خاتمة:
    10- إذا لا تحصر الصوم في الابتعاد فقط عن الأطعمة. لأن الصوم الحقيقي هو الابتعاد عن الشرور "أن تحل قيود الظلم" (إش 6:63). فإن كنت فى الصوم لا تأكل لحوماً لكن مع الأسف تأكل لحم أخيك. وإن كنت لا تشرب خمراً لكنك لا تستطيع أن

    تضبط لسانك عن الشتائم. وبالرغم من أنك تنتظر حتى المساء لكى تتناول الطعام، إلاّ أنك تقضى كل نهارك في المحاكم "ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادي سمائن المضروبين بالخمر" (إش 28: 1).
    أرجو أن تلاحظ أن الغضب يُعتبر بمثابة سُكر للنفس، لأنه يجعل النفس تائهة مثلما يفعل الخمر. الحزن أيضاً هو إدمان وسُكر إذ يغرق العقل. والخوف كذلك هو سُكر وإدمان عندما يحدث في غير موضعه. لأن مكتوب "من خوف العدو احفظ حياتي"(مز 64: 1). وعموماً أى تصرف أو فكر ُيخرّب العقل يُدعى حقاً سكراً. تأمل، من فضلك، الغضوب كيف أنه يتصرّف كالسكير فهو لا يضبط نفسه أو كلامه ولا يعرف حتى الذين هم معه في مجلسه. إنه يشبه مَن يتعارك في ظلمة الليل فيمسك بأي شيء في طريقه، ويتعثر في أى شيء أمامه ولا يعرف ماذا يقول، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، فهو يشتم ويضرب، ويهدد، ويقسم ويصرخ. عليك أن تهرب من هذا السُكر تماماً كهروبك من السُكر الحقيقي الذي يسببه الخمر. لا تحتقر شرب الماء بدلاً من شرب الخمر، لأن الخمر لا يقودك إلى الصوم. فلا يوجد دخول إلى الصوم من خلال السُكر، كما لا يتحقق العدل من خلال الظلم ولا الانضباط من خلال الفسق، ولا الفضيلة من خلال الشر. باب الصوم له طريق آخر. فبينما يقود الإدمان إلى الفجور فإن الانضباط يقود إلى الصوم. وكما أن الرياضي يتمرّن أولاً قبل أن يخوض في أى منافسة هكذا الذي هو مقبل على الصوم عليه أن ينضبط أولاً. لا تتصرف كما لو كنت تتصرف بانتقام لأنك

    مُقبل على فترة صوم، فلا تجعل آفة إدمان الخمر تتملكك قبل الدخول في الخمس أيام الأولى للصيام. لن تستفيد من قمعك للجسد ولن تتعزى وأنت تحرم نفسك من الطعام إذا امتلكت شهوة إدمان الخمر. وكأنك تلقى خزينتك في إناء مثقوب. فالخمر يذهب والخطية وارتكاب الآثام يبقيان. العبد يهرب عندما يضربه سيده، أما أنت فإنك تترك نفسك للخمر بالرغم من أنه يضرب دماغك يومياً وأنت تعرف أن احتياج الجسم المريض للخمر هو محدود كما يعلّمنا الكتاب (انظر 1تيمو5: 23).
    إن لم تنضبط اليوم ولا تتعدى حدودك في استخدام الخمر، غداً سوف تصبح رأسك ثقيلة وسوف تتوه، وتدوخ وستنبعث منك رائحة الخمر الكريهة. سيبدو لك أن كل شيء حولك يلف ويدور ويتأرجح. علاوة على ذلك يُسبب لك السُكر أيضاً نوماً يشبه الموت وكذلك يقظة تشبه يقظة الأحلام.
    11- عرفت إذاً مَن هو الذي عليك أن تقبله؟ إنه ذاك الذي كرز قائلاً "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبى إليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو14 :23). لماذا تسلك في طريق السُكر والإدمان وتغلق الباب المؤدى إلى الرب؟ لماذا ُتعطى للشيطان فرصة لأن يهاجمك؟ فالسُكر لا يقود إلى طريق الرب، السُكر يبعد عنا الروح القدس. لأنه كما يطرد الدخان النحل كذلك الإدمان يطرد المواهب الروحية.
    الصوم هو كرامة المدينة
    سلام الشعوب

    خلاص لكل ما هو موجود
    هل تريد أن ترى عظمة الصوم؟ قارن، من فضلك، هذا بما سيحدث غداً. سوف ترى أن المدينة تغيّرت من الاضطراب والفوضى إلى السكينة والهدوء. أتمنى أن هذا المساء يشبه ما سيصير غداً من حشمة ووقار وغداً لا يقل عن اليوم في الابتهاج. والرب الذي قادنا إلى هذه الفترة من السنة (الصوم) ليته يعضدّنا - كما لو كنا مصارعين قد أظهرنا ثباتاً وقوةً وصبراً في المنافسات التمهيدية - لكى نصل إلى يوم البر، يوم الأكاليل، من الآن حيث ذكرى آلام المخلّص، إلى يوم المجازاة العتيد للذين عاشوا منا برّ المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين.


    Like a Star @ heaven Like a Star @ heaven

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 19, 2018 7:35 am